نذير حمدان

270

حكمة القرآن والحضارة

المرابين المستغلين وتضخيم أوضاع الفقر والحرمان لغالبية الناس وجماهيرهم . وهذا يعني تكريس الطبقية الطاغية الظالمة وإعطائها مكاسب لا تستحقها وليست أهلا لها ( آل عمران 130 - 134 ) ، وإذا نعى اللّه على المرابين المقلّين كما سبق فإن القرآن وضع هنا ومن أجل الإقلاع عن الاستكثار الربوي قاعدة الفلاح والنجاح الاجتماعي والاقتصادي حكمة عظيمة مقترنة بالزواجر والمخوفات مرغبة بالإنفاق في السراء والضراء . . . إنه تحريم قاطع بعيد النظر يتجاوز مصلحة فرد أو فئة مرابية مستغلة إلى نقاء المجتمع وبنائه السليم ومصالحه العامة ، وتحريره من الإضرار المتعدد ودفعه إلى مكانه اللائق به من الحضارة الإسلامية السامية . وفي تنظيم ( المداينة ) المشروعة ( البقرة 282 ) كتابة وشهودا تصريح بحكمة المدين المحلي ، والإشهاد من الرجلين أو الرجل والمرأتين ، وضرورة كتابة الدين صغيرا أو كبيرا إلى أجله بالأكثر إقساطا ، والأقوم للشهادة ونفي الشك إلى اليقين ، حكم صرح بها وتشتمل على عللها . وفي مشروعية الجهاد الإسلامي ليكون في سبيل اللّه وليس في سبيل الطاغوت ( النساء 76 ) ومن أجل المستضعفين في الأرض المضطهدين في دينهم وأرواحهم وأموالهم ( النساء 75 ) وفي سبيل الدفاع عن حرمات المقدسات من بيوت العبادة ( الحج 39 ) وهي حكم مصرح بها أيضا تشتمل على تعليلاتها . وفي العبادات عموما فإنها شرعت لتحقيق العبودية ( ليعبدون ) ( الذاريات 56 ) ولكل منها حكمها الخاصة بها كما صرحت آيات الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ( العنكبوت 45 ) والزكاة التي تطهر النفوس والأموال ( التوبة 103 ) والصوم لتربية النفوس على التقوى وضبطها ، والاستعلاء الروحي ( البقرة 183 ) والحج ليشهد المؤمنون منافع دينية ودنيوية ويذكروا اسم اللّه في أيام معلومات ( الحج 28 ) و لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ( البقرة 185 ) و ( الحج 37 ) . وفي العلاقات الخارجية ( الممتحنة 8 - 9 ) لا بد من مسالمة الآخرين وبرّهم والإقساط في معاملتهم ، والحكمة في ذلك هي أن هؤلاء لا يعادون المسلمين ولا يحاربونهم في دينهم وأرضهم ، فالحفاظ على الدين والأرض منهم هي حكمة برّهم وعلته ، وهذا لا يتنافى مع الاحتفاظ بأسرار المسلمين وأسس دولتهم فلا يوالون أعداءهم ولا يعطونهم هذه الأسرار والخصوصيات مهما أبدوا من مظاهر الألفة والصداقة والمداخلة فإن لهم حدودهم ومواقعهم